الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

14

نفحات القرآن

البشرية تنشأ على نوع من التربية يدفعها بالنتيجة إلى إقامة العدالة بنفسها ! والمهمّ أيضاً هو ظهور هذه المسألة في المجتمع بصورة إراديّة لا قهرية . والتعبير ب « الميزان » عن القوانين الإلهيّة إنّما هو لدورها المهمّ في المسائل الحقوقية المشابهة لدور الميزان في بيان وزن كلّ شيء كما هو عليه ، وإنهاء حالة الخلاف والنزاع القائمة ، ونظراً لكون القوانين البشرية الوضعية صادرة من علم الإنسان الناقص فلا يمكن الاعتماد عليها ولا يمكنها أبداً تحقيق العدالة ، بل ينحصر تحقّق هذا الأمر في القوانين الإلهيّة النابعة من علم اللَّه تعالى اللانهائي الذي لا يخالطه الخطأ والاشتباه ، ذلك العلم الذي تنسجم معه النفس المؤمنة وتركن إليه . ويوجد أيضاً فريق لا يبالي بأيّ من هذه الأمور ، بل نراه يضع كلّ شيء تحت قدميه حفاظاً على مصالحه الشخصية ، فلابدّ من مقاومة هؤلاء بقوّة السلاح ، وما جملة « وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد » المتمّمة لهذه الآية إلّاإشارة إلى هذا الفريق الذي لا يعرف سوى لغة السيف . ومع أنّ البعض قد ذهب إلى أنّ التعبير ب « أنزلنا » يعني مجيء الحديد ( الصخور الحديديّة ) إلى كرتنا الأرضية من الكواكب الأخرى ، لكن تعبير أنزلنا يأتي أحياناً في غير الحديد أيضاً فمثلًا في أنواع الحيوانات كما ورد قوله تعالى : « وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ . . . » . ( الزمر / 6 ) وجاءت أيضاً للألبسة التي تغطّي بدن الإنسان حيث قال تعالى : « يَا بَنِى آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِى سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ » . ( الأعراف / 26 ) تبيّن هذه الآية أنّ المراد منه هو الخلقة والإبداع الإلهي في نفس الأرض ، ونزول هذه الموهبة الإلهيّة من مقام الربوبية الشامخ إلى مقام الإنسان الداني ، يعبر عنها بأنزلنا وبعثنا . كما يُشاهد هذا التعبير أيضاً في المحاورات اليومية ، فحينما تصدر أوامر أو تبعث هديّة من رئيس دولة مثلًا إلى ما دونه يقال : إنّ هذه الأوامر أو الهديّة قد جاءت من المراتب العليا !